الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
319
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أن دخوله في الإسلام أفاده إعطاء ثواب على أعماله كأنه عملها في الإسلام . وقال : مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا دون أن يقول : ثم كان مؤمنا ، لأن كونه من الذين آمنوا أدل على ثبوت الإيمان من الوصف بمؤمن لأن صفة الجماعة أقوى من أجل كثرة الموصوفين بها فإن كثرة الخير خير ، كما تقدم في قوله تعالى : قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ في سورة البقرة [ 67 ] ، ثم في هذه الآية تقوية أخرى للوصف ، وهو جعله بالموصول المشعر بأنهم عرفوا بالإيمان بين الفرق . وحذف متعلّق آمَنُوا للعلم به أي آمنوا باللّه وحده وبرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم ودين الإسلام . فجعل الفعل كالمستغني عن المتعلق . وأيضا ليتأتى من ذكر الذين آمنوا تخلص إلى الثناء عليهم بقوله : وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ولبشارتهم بأنهم أصحاب الميمنة . وخص بالذكر من أوصاف المؤمنين تواصيهم بالصبر وتواصيهم بالمرحمة لأن ذلك أشرف صفاتهم بعد الإيمان ، فإن الصبر ملاك الأعمال الصالحة كلها لأنها لا تخلو من كبح الشّهوة النفسانية وذلك من الصبر . والمرحمة ملاك صلاح الجامعة الإسلامية قال تعالى : رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . والتواصي بالرحمة فضيلة عظيمة ، وهو أيضا كناية عن اتصافهم بالمرحمة لأن من يوصي بالمرحمة هو الذي عرف قدرها وفضلها ، فهو يفعلها قبل أن يوصي بها ، كما تقدم في قوله تعالى : وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الفجر : 18 ] . وفيه تعريض بأن أهل الشرك ليسوا من أهل الصبر ولا من أهل المرحمة ، وقد صرح بذلك في قوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إلى قوله : وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا [ فصلت : 33 - 35 ] وقوله : بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ [ الفجر : 17 ، 18 ] . [ 18 - 20 ] [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 18 إلى 20 ] أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) لمّا نوه بالذين آمنوا أعقب التنويه بالثناء عليهم وبشارتهم مفتتحا باسم الإشارة لتمييزهم أكمل تمييز لإحضارهم بصفاتهم في ذهن السامع ، مع ما في اسم الإشارة من